السيد محمد تقي المدرسي
197
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
وفي وجوده سبحانه لا يتصور أي نوع من الكثرة ، لا نوعاً ولا عرضاً ولا شدة وضعفاً ولا زمناً . ويطرح أمامهم سؤال : إذاً فكيف نسمي الأشياء بالوجود ، ونقول إنها موجودة . ويجيب هؤلاء بأن نسبة الأشياء ( الماهيات الممكنة ) إلى الوجود ، إنما هي بسبب أنها مجعولة من قبل صاحب الوجود الحق وهو الله سبحانه ، وضربوا مثلًا لغوياً لذلك بكلمات ( مشمس ، لابن ، تأمر ) أي من أشرقت عليه الشمس أو يملك اللبن أو التمر . 4 - أما العرفاء الشامخون الذين تجاوزوا نظرية وحدة الوجود والموجود ( النظرية الأولى ) فقد قالوا بوحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما . وهذا هو الذي اصطفاه صدر المتألهين والسبزواري ، فهؤلاء يقولون : ( بتكثير الوجود والموجود ، ومع ذلك يثبتون الوحدة في عين الكثرة . وقد يمثل له بأنه كما إذا كان إنسان مقابلًا لمرائي متعددة ، فالإنسان متعدد وكذلك الإنسانية ، لكنه في عين الكثرة واحد بملاحظة العكسية وعدم الأصلية ، فإن عكس الشيء بما هو عكسه ليس شيئاً على حياله ، إنما هو آلة لحاظ الشيء ) « 1 » ويتبنى العلامة الطباطبائي هذا ويضرب له مثلًا بقوله : الحق أنها حقيقة واحدة في عين أنها كثيرة ، ثم يضيف قائلًا : كما مثلوا له بحقيقة النور على ما يتلقاه الفهم الساذج إنه حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة في الشدة والضعف ، فهناك نور قوي ومتوسط وضعيف مثلًا ، وليست المرتبة القوية نوراً وشيئاً زائداً على النورية « 2 » ، ولا المرتبة الضعيفة تفقد من حقيقة النور شيئاً ، أو
--> ( 1 ) ( ) ميزان المطلب ، ص 15 . ( 2 ) ( ) يبدو أن مراده أنه ليس نوراً مضافاً إليه شيء آخر ، بل إنه نور فحسب .